Tuesday, May 6, 2008

ديـــنـــا

شتاء القاهرة أروع فصول السنة , وأنا مما يفضلونه عن جميع الفصول حتى عن فصل الربيع والذي تهب فيه رياح الخماسين بضبابها وغبارها الذي يعمى الأبصار, وخاصة إنني من قاطني القاهرة القديمة ذات العبق الرائع للتاريخ الإسلامي , فلا يبعد عنى مسجد الأزهر الشريف , ومسجد الحسين (رضي الله عنه وأرضاه) إلا مسافة صغيره من الممكن أن أصلها سيرا على الأقدام , تلك المنطقة التي تمتد حتى هضبة المقطم التي رغم جمالها وروعتها إلا أنها في الربيع مع هبوب رياح الخماسين تصبح على غير ما يرام ,كان هذا اليوم شديد البرودة وزفاف ابنتي لم يبقى عليه أكثر من ثلاثة أيام , ويوجد بعض الأشياء البسيطة التي تريدها ابنتي لم تستكمل بعد ..

أيقظتني ابنتي من نومي بعد فترة قيلولة الظهيرة حتى نذهب لشراء ما تبقى لها من أشياء , ورددت وأنا لا أريد أن ارفع الغطاء من على جسدي فنحن في منتصف شهر (طوبه) وهو يعتبر من أكثر الشهور برودة في مصر .

رفعت الغطاء وسألتها إن كانت تريد الذهاب إلى السوق المجاور لمسجد الحسين أم إلى السوق المجاور لمسجد السيدة زينب رضي الله عنهما.

كان ردها فوري بأنها تريد الذهاب إلى السوق المجاور لمسجد السيدة زينب , وتعجبت من ردها فإن ما تريد شراءه هو مجموعه من الحلي ( إكسسوار) الزهيدة الثمن , ومع ذلك فهي رائعة الجمال , جيدة الصنعة , وأنا اعلم أن منطقة السوق المجاور لمسجد الحسين وما يجاورها من منطقة خان الخليلي , ربما تكون من أروع الأماكن في العالم التي تبيع هذا الحلي الذي تستطيع العروس التحلي بها في دارها وبثمن زهيد جدا , ومع ذلك رضخت لرغبتها , فهي العروس , ارتدينا ملابسنا وفى اقل من ربع الساعة كنا بجوار مسجد السيدة زينب والسوق المجاور له المكتظ بأشياء كثيرة لا أول لها ولا آخر , ابتاعت ابنتي بعض الأشياء ولم تجد ما كانت تريد , فا أسرت لي بأنها أخطأت بالمجيء إلى السوق المجاور لمسجد السيدة زينب , وأنها ربما كان من الأفضل لها أن تذهب إلى السوق المجاور لمسجد الحسين , لأنه به مجموعه من الحلي لا تضاهها في جمالها , مع زهد ثمنها الشديد الذي لا يوجد في أي مكان في العالم , وتعجبت داخلي , ولم أأنبها حتى لا افسد عليها فرحتها , وقلت لها , انه لا بأس من أن نذهب إلى منطقة الحسين في الغد إن شاء الله ونبتاع ما تريد .

كنا ما زلنا نمشى الهوينى ونقلب في المعروضات ربما نجد شئ آخر نبتاعه , حتى وصلنا إلى متجر مشهور يبيع الحلوى ولا نأتي إلى ميدان السيدة زينب إلا ولابد من المرور عليه ونبتاع منه بعض الحلوى , توقفت وهى تحثني على الدخول لشراء تلك الحلوى اللذيذة الممتلئة بقطع من الأناناس , وهززت رأسي موافقة , ولكنني فضلت الوقوف على باب المتجر حتى تدخل هي و تشترى ما تريده , لآن المتجر كان مزدحم بشده .

وقفت على باب المتجر انظر إلى المارة تارة , وتارة أخرى انظر إلى الأشياء المعروضة به , مرت على امرأة بسيطة ترتدي جلباب اسود خفيف , و على رأسها خمار اسود أيضا لا يحميها من هذا البرد الشديد , و عليها مظاهر رقة الحال , وتعجبت في داخلي , كيف تمشى هذه المرأة بهذه الثياب التي لا تحمى جسدها من هذا البرد الفظيع وأنا و مع أنى ارتدى ثيابي الثقيلة ومن فوقها عباءتي وحجابي ومع ذلك اشعر ببرد شديد , كانت المرأة تمشى وبجوارها طفله صغيره لم تتخطى التاسعة أو اقل وتتحدث إلى المرأة بقولها أمي , ترتدي (فستان) رقيق الحال بشده شعرها أشعث في ضفيرتين , ولكن لها وجه صبوح تألفه النفس في سرعه , أما المرأة فقد كانت تمسك في احد كفيها بكيس من البلاستيك بداخله قطعه من الجبن الزهيد الثمن , لا يزيد وزنها عن ثـُمن الكيلو , وقد ثبتت عليها كفها في حرص شديد من أن تقع منها أو تتلف بسبب ضغط كفها عليها ..
فجأة وجدت الطفلة تمسك بزراع أمها وتسحبها من وسط الرصيف حتى تذهب معها أمام المتجر وهى تردد

- تعالى بس ..تعالى هااوريكي , لو كنت هأشترى كنت ها أجيب إيه .

وكانت الأم تسحب الفتاه من كفها وتجذبها إليها مرة أخرى وتردد :

- لما نرجع البيت هعرف منك كنتي عاوزه إيه.

وللمرة الثانية والثالثة والرابعة يتكرر المشهد أمامي وبإلحاح شديد من الطفلة التي تريد أن تـُرى أمها فقط , ماذا كانت ستأخذ لو أنها ستشترى , وتردد:

- تعالى بس.. هاوريكي والله أنا مش ها اشترى أنا هاوريكي بس .

وفجأة وبدون أي وعي منى وجدت ذراعي تمتد لتمسك بكف الصغيرة وأنا ابتسم لها بشده و أردد

- تعالى قوليلي لو كنتي هتشترى كنت هتختاري إيه ؟

وامتلأ وجه الفتاة خجلا لم أراه في حياتي وأخذت تضع رأسها في جسد أمها لتوارى وجهها بشده وأنا مازلت متشبثة بكفها و أردد:

- شاور يلي بس .. كنت هاتختاري إيه .

وهى تردد مع هز رأسها في خجل بالغ

- لا .. لا .. ولا حاجه .

فأعدت كلامي بصورة أخرى :

- أنت خايفه من مامتك, ماتخفيش , وشاور يلي بس زي ما كنتي هاتشاوري لمامتك, عشان أنا عاوزه اشتريهالك.

وأصرت الطفلة على قولها في خجل :

- لا .. لا مافيش حاجه.

وهنا وجدت المرأة وعلى استحياء عندما علمت أنني سوف ابتاع لأبنتها الحلوى تحث الصغيرة على أن تقول ما تريد بقولها:

- قولي لتيته يا (دينا) قولي لها أنت عاوزه إيه.

والطفلة واضعه رأسها في جسد أمها وتردد:

- لا .. لا.

وأخيرا قالت الأم في حرج:

- قولي يا (دينا) وأنا اللي هاشتريها لك.

ورفعت الطفلة رأسها ونظرت إلى أمها وهى تهز رأسها في نفس الحرج وتقول:

- لا .. لا .

وأخيرا قلت لها :

- خلاص .. أنا هاشتريلك أي حاجه على مزاجي أنا.

وهنا خافت الطفلة من أن أقوم بشراء شئ غير الذي تريده وكانت مصره أن تريه لأمها , فخرجت عن منتصف الرصيف حتى وصلت إلى واجه المتجر وأشارت في سرعه خاطفة بأطراف أصابعها إلى القطعة التي تريدها على زجاج واجة المتجر وكانت قطعه كبيره من (الكرواسون) الموضوع فوقها كميه كبيره من الشيكولاته وقالت:

- ديه.

ناديت على ابنتي وقلت لها أن تشترى معها لـ (دينا) ولوالدتها قطعتين من (الكرواسون بالشيكولاته) ثم انحنيت على (دينا) مرة أخرى وسألتها إذا كانت تريد شئ آخر وهزت رأسها في امتنان:

- لا .. لا.

فقلت:

- أنا هاشتريلك واحده من البيتزا دي.

وظنت الصغيرة إنني سوف أبدل هذه بتلك وعلى فورها ردت وهى تشير بسرعة وترجع إلى وسط الرصيف مرة أخرى:

- لا أنا عاوزه دية .

فقلت لها مطمئنه:

- أنا هجيبلك الأتنين يا دينا.

وأمرت ابنتي بأن تأتى باثنين من الحلوى واثنين من (البيتزا) , ولم تمضى دقائق حتى كانت (دينا) تحملهم وتذهب وهى تلوح لي بذراعها وأنا اشعر داخلي بالضيق الشديد لضآلة ما أعطيته لها , ولكنى نظرت لها وجدت وجهها يمتلأ سعادة وكما لو كنت قد ابتعت لها متجر الحلوى بأكمله...

3 comments:

إيهاب صابر said...

قصه جميله جدا ومؤثره

واسلوبك جميل وشيق

حقيقي حسيت أني شايف دينا ومتأثر بيها

وياما لسه هنشوف في مصر

أحيكي على المدونه الجميله

إيمان راضي said...

حلوه قوي ومؤثره

مديحه said...

إيهاب

سعيده جدًا لان القصة عجبتك و ان الأسلوب عجبك..

وبالمناسبة فالقصة بنسبة 75% واقعيه

وشكرًا لاعجابك بالمندونه

-----------

إيمان


شكرًا جزيلاً

والله إنتي أحلى

تحياتي
مديحه